جمال الدين بن نباتة المصري
219
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ومحيت محاسنها ، فانتدب لذلك ، وأبطل آراءهم ، وشيّد آراء أبقراط والتابعين له ونصرها ، وساح وطلب الحشائش ، وجرّب وقاس أمزجتها وطبائعها ، وشرّح الأعضاء ، ووضع الكتب النفيسة في هذه الصناعة ، وهي مادّة الأطباء إلى يومنا هذا ؛ وأشهرها الكتب الستّة التي شرحها الإسكندرانيّون ، ولم يأت بعده إلّا من هو دون منزلته ، وكانت وفاته بعد مبعث المسيح عليه السلام ، ولم يره . حكى أنّه لما بلغه دعوة المسيح صلوات اللّه عليه إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وإبراء الأكمه والأبرص ، قال لمن حوله من التّلامذة : إن علم من هذا المدّعى بما لا تستقلّ به الطبيعة سفه قبل ما ادّعاه لا يخاطب ، ويحمل في ما ادّعاه على ما تقدّم العلم منه من السّفه ، وإن لم يعلم منه سفه تقدم دعواه يطالب « 1 » بالبيان لإمكانه من علم ما وراء عالم الطبيعة ؛ وذلك سبيل كلّ ناطق يقوم في ابتداء كلّ قرن يأتي من الزّمان للاضطرار إليه عند ظهور الفساد في الأرض ، سبيله الدعوى بما لا تستقلّ به الطبيعة لانقياد النّاس إلى طاعته بعد القيام بصحّة ما ادّعاه ، فمن سلك سبيله بعد ذلك تمّت حركته . ثم تجهّز للاجتماع به ، وسار إليه ، فمات في طريقة بمدينة الفرما ، وهي على شاطئ بحيرة تنّيس ، وبها قبره . ولما اشتدّ به المرض قيل له : ألا تتداوى ؟ قال : إذا نزل قدر الربّ بطل حذر المربوب ، ونعم الدّواء الأجل ! ثم مات مبطونا ، ومات أرسطاطاليس بالسلّ ، ومات أفلاطون مبرسما ، ومات أبقراط مفلوجا . ومن حكايات جالينوس عن نفسه ، قال : مررت بشيخ يزرع شجرة ، فقلت : يا شيخ ، ما تزرع ؟ فقال : شجرة ثمرتها لي ولك ، قلت : وما هي ؟ قال : شجرة المشمش ، ثمرتها لي ؛ لأنى اخذ ثمنها ، ولك لأنها تكثر المرضى ، فتأخذ من أموالهم .
--> ( 1 ) كذا في د ، وفي باقي الأصول : « يطلب » .